ابن الجوزي

99

زاد المسير في علم التفسير

كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون ( 148 ) قوله تعالى : ( سيقول الذين أشركوا ) أي : إذا لزمتهم الحجة ، وتيقنوا باطل ما هم عليه من الشرك وتحريم ما لم يحرمه الله ( لو شاء الله ما أشركنا ) ، فجعلوا هذا حجة لهم في إقامتهم على الباطل ، فكأنهم قالوا : لو لم يرض ما نحن عليه ، لحال بيننا وبينه ، وإنما قالوا ذلك مستهزئين ، ودافعين للاحتجاج عليهم ، فيقال لهم : لم تقولون عن مخالفيكم إنهم ضالون ، وإنما هم على المشيئة أيضا ؟ فلا حجة لهم ، لأنهم تعلقوا بالمشيئة ، وتركوا الأمر ، ومشيئة الله تعم جميع الكائنات ، وأمره لا يعم مراداته ، فعلى العبد اتباع الأمر ، وليس له أن يتعلل بالمشيئة بعد ورود الأمر . قوله تعالى : ( كذلك كذب الذين من قبلهم ) قال ابن عباس : أي : قالوا لرسلهم مثلما قال هؤلاء لك ، ( حتى ذاقوا بأسنا ) أي : عذابنا . ( قل هل عندكم من علم ) أي : كتاب نزل من عند الله في تحريم ما حرمتم ( إن تتبعون إلا الظن ) لا اليقين ، و " إن " بمعنى " ما " . و " تخرصون " : تكذبون . قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين ( 149 ) قوله تعالى : ( قل فلله الحجة البالغة ) قال الزجاج : حجته البالغة : تبيينه انه الواحد ، وإرساله الأنبياء بالحجج المعجزة . قال السدي : ( فلو شاء لهداكم أجمعين ) يوم أخذ الميثاق . قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون ( 150 ) قوله تعالى : ( قل هلم شهداءكم ) قال الزجاج : زعم سيبويه أن ( هلم ) هاء ضمت إليها " لم " ، وجعلتا كالكلمة الواحدة ، فأكثر اللغات أن يقال : " هلم " : للواحد والاثنين والجماعة ، بذلك جاء القرآن . ومن العرب من يثني ويجمع ويؤنث ، فيقول للذكر : " هلم " وللمرأة : " هلمي " ، وللاثنين " هلما " ، وللثنتين : " هلما " ، وللجماعة : " هلموا " ، وللنسوة : " هلممن " . وقال ابن قتيبة : " هلم " ، بمعنى : " تعال " . وأهل الحجاز لا يثنونها ولا يجمعونها ، وأهل نجد يجعلونها من " هلممت " فيثنون ويجمعون ويؤنثون ، وتوصل باللام ، فيقال : " هلم لك " ، " وهلم لكما " . قال : وقال الخليل : أصلها " لم " ، وزيدت الهاء في أولها . وخالفه الفراء فقال : أصلها " هل " ضم إليها " أم " ، والرفعة التي في اللام من همزة " أم " لما تركت انتقلت إلى ما قبلها ، وكذلك " اللهم " ترى أصلها : " يا الله